الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

423

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

واستدلاله قوي ، وتعبيره بليغ منسجم وعميق ، تعليماته جذرية ، وأحكامه متناسقة متوافقة مع الاحتياجات الواقعية للبشر في أبعاد الحياة المختلفة . ثم تذكر الآية صفة أخرى مهمة حول عظمة القرآن وحيويته ، فيقول تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه : تنزيل من حكيم حميد . أفعال الله عز وجل لا تكون إلا وفق الحكمة وفي غاية الكمال . لذا فهو أهل للحمد دون غيره . لقد ذكر المفسرون عدة احتمالات حول قوله تعالى : لا يأتيه الباطل . . . إلا أن أشملها هو أن أي باطل لا يأتيه ، من أي طريق كان ، ومهما كان الأسلوب ، وهذا يعني عدم وجود تناقض في مفاهيمه ، ولا ينقض بشئ من العلوم ، أو بحقائق الكتب السابقة ، ولا يعارض كذلك بالاكتشافات العلمية المستقبلية . لا يستطيع أحد أن يبطل حقائقه ، ولا يمكن أن ينسخ في المستقبل . لا يوجد أي تعارض في معارفه وقوانينه ووصاياه وأخباره ، ، ولا يكون ذلك في المستقبل أيضا . لم تصل إليه يد التحريف بزيادة أو نقص في آية أو كلمة ، ولن يطاله ذلك مستقبلا . إن هذه الآية تعبير آخر لمضمون الآية ( 9 ) من سورة " الحجر " حيث قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( 1 ) . ومن خلال ما قلناه نستنتج أن قوله تعالى : من بين يديه ومن خلفه كناية عن جميع الجوانب والجهات ، بمعنى أنه لن يصيبه البطلان أو الفساد من جميع الأوجه والجوانب ، وما ذهب إليه البعض من أن ذلك كناية للحال

--> 1 - لقد اختار هذا التفسير الزمخشري في كشافه ، وللعلامة الطباطبائي حديث يشبه هذا في تفسير الميزان ، في حين حدد بعض المفسرين مصطلح الباطل بالشيطان أو المحرفين ، أو الكذب ، وما شابه . وقد ورد في حديث عن الباقر والصادق قولهما عليهما السلام : " إنه ليس في أخباره عما مضى باطل ، ولا في أخباره عما يكون في المستقبل باطل " كما نقل عنهما عليهما السلام صاحب مجمع البيان . وواضح أن ما ذكر هو مصاديق لمفهوم الآية .